تتجه الصناعات الكيماوية في دول الخليج العربي إلى حد كبير نحو التصدير، حيث تستحوذ هذه الصناعة علي حصة بنحو 4.3% من التجارة والصادرات الكيماوية العالمية مع أكثر من 100 دولة حول العالم، وتصدر أكثر من 73 مليون طن من المواد الكيماوية سنوياً. وتعد دول مجلس التعاون الخليجي مركزا رئيسيا لإنتاج وتصدير المواد الكيماوية. ولذلك، فإن حرية الوصول إلى الأسواق العالمية هو شريان الحياة للصناعة الإقليمية.

وتدعو «جيبكا» وأعضاؤها إلى اتباع سياسات السوق المفتوحة، حيث تؤمن بأن تحرير الأسواق سيعزز التجارة من خلال السماح للمنتجين الأفراد من الخليج العربي بالوصول إلى الأسواق الرئيسية، وللصناعة الأوسع نطاقاً لتحقيق عوائد أكبر. ويمكن استثمار هذه العوائد مرة أخرى في البحث والتطوير وتطوير المزيد من المنتجات ذات القيمة المضافة أو ذو تأثير مباشر في الاقتصاد.

تجارة الكيماويات الخليجية: حقائق وأرقام

في عام 2019، نمت صادرات دول مجلس التعاون من الكيماويات بنسبة 6.4% لتصل إلى 82.5 مليون طن. فيما نتوقع انخفاضا في حجم صادرات المواد الكيماوية في دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة تتراوح بين 15% و20% في عام 2020، لتتراجع إلى ما بين 66 إلى 70 مليون طن بسبب الاضطرابات الكبيرة في الطلب بأسواق توريد المواد الكيماوية الناجمة عن جائحة «كوفيد -19». على الرغم من نمو حجم صادرات دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 6.4% في عام 2019، إلا أن عائدات الصادرات في المنطقة انخفضت بنسبة 10.3% وتشير التقديرات إلى تراجعها أكثر من 20% في عام 2020. نتوقع أن تنمو تجارة المواد الكيماوية في دول مجلس التعاون الخليجي من حيث الحجم، بنسبة تصل إلى 10% في عام 2021. يواصل فائض تجارة الكيماويات لدول مجلس التعاون الخليجي ارتفاعه ليصل إلى مستوى مرتفع جديد يقدر بنحو 59 مليون طن في عام 2019، وهو ما يمثل نحو 70% من حجم الصادرات. من المقرر أن تنمو تقديرات السنوات الخمس الحالية لتجارة الكيماويات في دول مجلس التعاون الخليجي بنسبة 3% إلى 5% سنويا. وجاءت أقوى مساهمة للصادرات الكيماوية لدول مجلس التعاون الخليجي خلال العقد الماضي من البوليمرات والأسمدة بنسبة 29.6% و27.9% على التوالي. ومع ذلك، في ظل إطار سياسي دولي مناسب، هناك إمكانية قوية لمزيد من التوسع في الصناعة وتلبية احتياجات سكان العالم الذي يتزايد عددهم باستمرار.

وتتاجر دول مجلس التعاون الخليجي في صناعة الكيماويات مع أكثر من 100 دولة حول العالم، في حين تشكل البتروكيماويات والبوليمرات الجزء الأكبر من الصادرات الكيماوية لدول مجلس التعاون الخليجي، فإن واردات دول مجلس التعاون من الكيماويات تتركز حول المواد الكيميائية غير العضوية والتي تمثل 48.1% من إجمالي الواردات. وبذلك، تساهم البتروكيماويات والأسمدة بأكبر قدر في الفائض التجاري لدول مجلس التعاون الخليجي، بينما تساهم الكيماويات غير العضوية بشكل أكبر في العجز التجاري.

اتفاقيات التجارة الحرة

باعتبار «جيبكا» المنظمة الممثلة لقطاع الكيماويات في الخليج العربي، فإنها تدعم باستمرار وتدعو إلى التجارة الحرة مع الكتل الاقتصادية العالمية. تعمل اتفاقيات التجارة الحرة بين دولتين أو أكثر على زيادة تدفق الخدمات والسلع، وتحقيق مزيد من التكامل الاقتصادي، وضمان الوصول التفضيلي إلى الأسواق الرئيسية. علماً، أن دول مجلس التعاون الخليجي موقعة حالياً على اتفاقيتين فقط من اتفاقيات التجارة الحرة، واحدة مع سنغافورة والأخرى مع رابطة التجارة الحرة الأوروبية «إفتا»، التي تضم أيسلندا وليختنشتاين (دولة في أوروبا) والنرويج وسويسرا. ومن الأهمية بالنسبة لدول مجلس التعاون الخليجي إعطاء الأولوية لإنشاء اتفاقيات التجارة الحرة، سواء كانت عامة أو قطاعية، مع شركائها الرئيسيين في مجال التصدير لتحقيق أقصي قدر ممكن من الفوائد الاقتصادية والتجارية المحتملة للصناعة في دول مجلس التعاون الخليجي. حيث سيؤدي الافتقار إلى اتفاقيات التجارة الحرة مع الشركاء التجاريين الرئيسيين إلى خسارة الصناعة الإقليمية لمزاياها التنافسية، ومن المرجح أن تفقد حصصها السوقية للمنتجين الذين يتمتعون بالوصول التفضيلي إلى الأسواق.

بينما لا تزال دول مجلس التعاون الخليجي في مرحلة المفاوضات لإنشاء اتفاقيات تجارة حرة مع كبار شركائها التجاريين، فإن منتجي المواد الكيميائية مطالبون بدفع رسوم استيراد تتراوح بين 5.5-6.5%. ويمثل ذلك خسارة كبيرة في الإيرادات التي من الممكن استثمارها في المشاريع وتنمية رأس المال البشري.

طرحت اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي لأول مرة في عام 1990، ولكن بعد مفاوضات مكثفة وغير مثمرة، انسحبت دول مجلس التعاون الخليجي، من جانب واحد، في عام 2008. في السنوات الأخيرة، ركز منتجو الكيماويات في دول مجلس التعاون الخليجي على الأسواق الناشئة في آسيا، ولكن مع سعي هذه الدول إلى اكتساب المزيد من الاكتفاء الذاتي على المدي الطويل، لا سيما الصين والهند، ينتقل منتجو دول مجلس التعاون الخليجي من العلاقات التي تركز على التجارة إلى العلاقات التي تركز على الاستثمار. وينبغي ألا تركز مفاوضات اتفاقية التجارة الحرة مع هذه الأسواق الرئيسية على الوصول التفضيلي فحسب، بل يجب أن تركز أيضاً على حماية الاستثمار.

وهناك دولة أخرى منفتحة لاتفاقية تجارة حرة مع دول مجلس التعاون الخليجي، وهي المملكة المتحدة، حيث أنهت المملكة المتحدة ما يسمى باتفاقية التجارة والتعاون مع الاتحاد الأوروبي في 24 ديسمبر 2020. وأثر ذلك بشكل كبير على مناقشات الشراكة الاستراتيجية بين دول مجلس التعاون الخليجي والمملكة المتحدة لصالح الطرفين. ويمثل هذا التعاون تعزيزاً إضافياً للعلاقة التجارية والاستثمارية بين دول مجلس التعاون الخليجي والمملكة المتحدة. وتعد دول مجلس التعاون الخليجي بالفعل واحدة من أكبر الشركاء التجاريين للمملكة المتحدة، حيث بلغت التجارة الثنائية ما يقرب من 45 مليار جنيه إسترليني في عام 2019. وتتراوح الفوائد التي يمكن أن تجلبها اي صفقة محتملة مع المملكة المتحدة إلى منطقة دول مجلس التعاون الخليجي، في تعزيز قدرتها التنافسية، وأن تكون جزءا مهماً من سلاسل القيمة العالمية، فضلا عن زيادة النشاط الاقتصادي لصناعة الكيماويات في دول مجلس التعاون الخليجي. تلعب «جيبكا» دوراً هاماً في مبادرة الشراكة الاستراتيجية بين دول مجلس التعاون الخليجي والمملكة المتحدة من خلال المشاركة مع أمانة مجلس التعاون الخليجي في التحديات التي تواجهها صناعة الكيماويات الإقليمية فيما يتعلق بالتجارة مع المملكة المتحدة والتوصيات المتعلقة بالمفاوضات ذات الصلة، من خلال لجنة التجارة الدولية التابعة لـجيبكا.

المشهد الحالي وتحديات كوفيد -19

تعمل صناعة الكيماويات في دول مجلس التعاون الخليجي بصورة متزايد في بيئة تتسم بتزايد الحمائية، في شكل زيادة التعريفات الجمركية، وإغلاق الحدود، وغيرها من الإجراءات المقيدة للتجارة نتيجة لجائحة «كوفيد -19»، وذلك على خلفية اضطرابات سلاسل التوريد وزيادة الطلب على السلع الأساسية.

وبسبب جائحة فيروس «كورونا»، ارتفع الطلب على منتجات النظافة الأساسية والمعدات الطبية، بما في ذلك اللقاحات، على مستوى العالم، ويمكن لسلاسل القيمة التي تعمل بشكل جيد أن تساعد في زيادة الإنتاج بشكل سريع، مع تخفيف ارتفاع الأسعار. ومن ناحية أخرى، فإن الافتقار إلى التعاون الدولي وفرض التعريفات الجمركية وغيرها من الحواجز التجارية ينطوي علي خطر إعاقة الإمداد المطلوب بشكل عاجل للسلع الحيوية في أجزاء من العالم.

على سبيل المثال، بدون المواد الاستهلاكية الضرورية مثل أقنعة الوجه والعباءات الطبية والقفازات المنتجة في البلدان ذات الدخل المتوسط، ستكافح الاقتصادات المتقدمة الرئيسية لمنع انتشار العدوى، خصوصا بين العاملين في الخطوط الأمامية. في الوقت نفسه، فإن الافتقار إلى المعدات الأكثر تعقيداً مثل أجهزة التنفس التي تنقذ حياة البشر ويصنعها المصدرون ذو الدخل المرتفع في المقام الأول من شأنه أن يعرض المزيد من الأرواح للخطر في الاقتصادات النامية. ينطبق نفس المبدأ على المواد الكيماوية المصنعة من قبل المنتجين في دول مجلس التعاون الخليجي والتي تستخدم كمواد خام وسيطة لإنتاج المعدات الطبية والصحية التي تعتبر ضرورية لمكافحة كوفيد -19.

الحاجة إلى الإصلاح في حقبة ما بعد كوفيد -19

لن يخلو الواقع الجديدة في حقبة ما بعد «كوفيد -19» من التحديات حيث يستعد العالم لمواجهة العواقب والاثار المترتبة على الاقتصاد والمجتمع والشركات والمستهلكين. تأثرت التجارة العالمية والإقليمية بشكل كبير بالتدابير التقييدية التي تم وضعها نتيجة لهذه الجائحة. وبدلاً من تحسين الوصول إلى الخدمات والسلع، تراجع العالم عن التجارة الحرة، وهو ما عرض ازدهار الدول وتنميتها الاقتصادية للخطر في جميع أنحاء العالم. والآن حان الوقت لإحداث تغيير مبني على الشفافية والتعاون، والأهم من ذلك، هو ضرورة تحديث منظمة التجارة العالمية والعمل بكامل طاقتها أكثر من أي وقت مضى لدفع جدول الأعمال الجديد إلى الأمام. وطورت «جيبكا» ورقة موقف تسلط الضوء على الإصلاحات الضرورية المطلوبة لتحديث منظمة التجارة العالمية.